زكريا القزويني

482

آثار البلاد واخبار العباد

نسيم الشّمال وأعنابها * وأعين غزلانها السّاحره ! ولم تزل هراة من أحسن بلاد اللّه حتى أتاها عين الزمان عند ورود التتر ، فخربوها حتى أدخلوها في خبر كان ، وحكى من كان بها أن التتر لمّا نزلوا عليها راسلهم أحد أعيان المدينة أن يفتح لهم بابا من أبوابها ، على شرط أن يأمن هو وأهله ، فأجابوه إليه . فلمّا فتح لهم دفعوا إليه رجلا ليقف على باب داره ويمنع التتر من دخولها . وكان لصاحب الدار نسيب بعث إليه أن عجل إلى داري بأهلك فإنّها مأمن . فقال النسيب : ان حالوا بيننا وبينكم فأرسل الرجل التتري إلينا ليحملنا إليكم . فأرسله إليهم ، فلمّا غاب عن باب داره نزل عليها قوم من التتر وقتلوا كلّهم ، فلمّا جاء الرجل التتري بالنسيب وجد القوم قتلوا عن آخرهم ، فتركهم ومرّ على وجهه وقتل النسيب أيضا ، ولم ينج منهم أحد . وينسب إليها إبراهيم ستنبه من البراهمة الأربعة الذين يشفع بهم إلى اللّه تعالى وهم : إبراهيم بن أدهم بمكّة ، وإبراهيم الخواص بالريّ ، وإبراهيم شيبان بقرميسين ، وإبراهيم ستنبه بقزوين . حكى إبراهيم بن دوحة قال : دخلت مع إبراهيم ستنبه بادية مكّة ، وكان معي دينار ذهب فقال لي : اطرح ما معك ، فطرحته . ثمّ قال لي : اطرح ما معك ، فما كان معي إلّا شسع نعل فطرحته . فما احتجت في الطريق إلى شسع إلّا وجدته بين يديّ ، فقال : هكذا من يعامل اللّه صدقا ! وحكى بعضهم قال : كنّا عند مسجد أبي يزيد البسطامي فقال لنا : قوموا نستقبل وليّا من أولياء اللّه تعالى ، فمشينا فإذا هو إبراهيم ستنبه الهروي ، فقال له أبو يزيد : وقع في خاطري أن أستقبلك وأشفع لك إلى ربّي ! فقال له إبراهيم : لو شفعت لجميع الخلق ما كان كثيرا ، فإنّهم كلّهم قطعة من طين ، فتحيّر أبو يزيد من حسن جواب إبراهيم وقال : اللهمّ ارفع درجاتهم وانفعنا بمحبّتهم ومحبّة أمثالهم !